ابن الجوزي

60

صفة الصفوة

قال : فقمنا اليه فبايعناه وأخذ بيده أسعد بن زرارة « 1 » وهو من أصغرهم وقال : رويدا يا أهل يثرب ، فأنا لم نضرب أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول اللّه ، وإن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة وقتل خياركم وان تعضّكم السيوف ، فاما أنتم قوم تصبرون على ذلك وأجركم على اللّه ، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم جبينه فبينوا ذلك فهو أعذر لكم عند اللّه . قالوا : أمط عنا يا أسعد فو اللّه ما ندع هذه البيعة أبدا ولا نسلبها أبدا . قال : فقمنا اليه فبايعناه فأخذ علينا وشرط . ويعطينا على ذلك الجنة « 2 » . ذكر العقبة وكيف جرى قال ابن إسحاق « 3 » : لما أراد اللّه تعالى إظهار دينه وإعزاز نبيه وإنجاز موعده خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في الموسم الذي لقيه في النفر من الأنصار فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم ، فبينما هو عند العقبة لقي رهطا من الخزرج فذكروا أنه قال لهم : ممن أنتم ؟ قالوا له : من الخزرج . قال أفلا تجلسون أكلمكم ؟ قالوا بلى ، فجلسوا معه فدعاهم إلى اللّه تعالى وعرض عليهم الاسلام وتلا عليهم القرآن ، وقد كانوا يسمعون من اليهود أن نبيا مبعوثا قد أظل زمانه ، فقال بعضهم لبعض واللّه يا قوم إن هذا النبي الذي تعدكم به اليهود فلا يسبقنكم اليه . فأجابوه وهم فيما يزعمون ستة : أسعد بن زرارة ، وعوف بن مالك وهو ابن عفراء ، ورافع بن مالك بن العجلان ، وقطبة بن عامر بن حديدة ، وعقبة بن عامر بن نابى ، وجابر بن عبد اللّه بن رئاب . فلما انصرفوا إلى بلادهم وقد آمنوا ذكروا لقومهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ودعوهم إلى الاسلام حتى فشا فيهم ، فلم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ،

--> ( 1 ) هو أسعد بن زرارة النجاري توفي في السنة الأولى للهجرة . ( انظر شذرات الذهب ص 9 ج 1 ) . ( 2 ) أخرجه الإمام أحمد 3 / 322 وأخرجه الحاكم 2 / 624 وقال صحيح الاسناد . ( 3 ) هو محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي مولاهم المدني صاحب السيرة ، رأى أنسا وسمع الكثير من المقبري والأعرج وهذه الطبقة وكان بحرا من بحور العلم ذكيا حافظا طلابة للعلم أخباريا نسابة علامة ، قال شعبة : هو أمير المؤمنين في الحديث ، ومن كتب ابن إسحاق أخذ عبد الملك بن هشام وكل من تكلم في السير فعليه اعتماده ، توفي ببغداد ودفن في مقبرة الخيزران أم الرشيد سنة إحدى وخمسين ومائة . ( انظر شذرات الذهب ص 230 ج 1 ) .